أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

215

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الشيخ - بعد السؤال الأول وجوابه ، وهو : فإن قلت : هلّا قلت : هي الناصبة . . . إلى : « وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا » - فقال : ولا يتعين أن تكون جميع الأوامر معطوفة على ما دخل عليه « لا » ، لأنا بينا جواز عطف : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً على : « تَعالَوْا » ، وما بعده معطوف عليه ، ولا يكون قوله : « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » معطوفا على : « أَلَّا تُشْرِكُوا » . الرابع : أن تكون « أن » الناصبة وما في حيّزها منصوبة على الإغراء ب « عَلَيْكُمْ » ، ويكون الكلام الأول قد تمّ عند قوله : « رَبُّكُمْ » ، ثم ابتدأ فقال : « عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا » ، أي : الزموا نفي الإشراك وعدمه . وهذا وإن كان ذكره جماعة ، كما نقله ابن الأنباري ضعيف لتفكيك التركيب عن ظاهره ، ولأنه لا يتبادر إلى الذهن . الخامس : أنها وما في حيّزها في محل نصب أو جر ، على حذف لام العلة ، والتقدير : أتل ما حرّم ربكم عليكم ، لئلا تشركوا ، وهذا منقول عن أبي إسحاق ، إلّا أنّ بعضهم استبعده من حيث إنّ ما بعده أمر معطوف بالواو ، ومناه معطوفة بالواو أيضا ، فلا يناسب أن يكون تبيينا لما حرّم ، أما الأمر فمن حيث المعنى ، وأما المناهي فمن حيث العطف . السادس : أن تكون هي وما بعدها في محل نصب بإضمار فعل ، تقديره : أوصيكم ألّا تشركوا ، لأن قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً محمول على : أوصيكم بالوالدين إحسانا ، وهو مذهب أبي إسحاق أيضا . السابع : أن تكون « أن » وما في حيّزها في موضع رفع ، على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : المحرّم ألّا تشركوا ، أو المتلو ألا تشركوا ، إلّا أن التقدير بنحو : « المتلو » أحسن ، لأنه لا يحوج إلى زيادة « لا » ، والتقدير ب « المحرّم ألّا تشركوا » يحوج إلى زيادتها لئلا يفسد المعنى . الثامن : أنها في محل رفع أيضا على الابتداء ، والخبر الجار قبله ، والتقدير : عليكم عدم الإشراك ، ويكون الوقف على قوله : « رَبُّكُمْ » كما تقدم في وجه الإغراء ، وهو مذهب أبي بكر بن الأنباري ، فإنّه قال : « ويجوز أن تكون في موضع رفع ب « على » ، كما تقول : عليكم الصيام ، والحجّ . التاسع : أن تكون في موضع رفع بالفاعلية ، بالجار قبلها ، وهو ظاهر قول ابن الأنباري المتقدم ، والتقدير : استقر عليكم عدم الإشراك . وقد تحصلت في محل « أَلَّا تُشْرِكُوا » على ثلاثة أوجه : الرفع ، والنصب ، والجر . فالجر من وجه واحد ، وهو أن يكون على حذف حرف الجر ، على مذهب الخليل والكسائي ، والرفع من ثلاثة أوجه ، والنصب من ستة أوجه ، فمجموع ذلك عشرة أوجه ، تقدم تحريرها . و « شَيْئاً » فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول به . والثاني : أنه مصدر ، أي : إشراكا ، أي : شيئا من الإشراك . وقوله : « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » تقدم تحريره في البقرة « 1 » قوله : « مِنْ إِمْلاقٍ » : « مِنْ » سببية ، متعلقة بالفعل المنهي عنه ، أي : لا تقتلوا أولادكم لأجل الإملاق . والإملاق : الفقر ، في قول ابن عباس . وقيل : الجوع ، بلغة لخم ، نقله مؤرّخ . وقيل : الإسراف ، أملق ، أي : أسرف في نفسه ، قاله محمد بن نعيم الترمذي . وقيل : الإنفاق ، أملق ماله ، أي : أنفقه ، قاله المنذر بن سعيد . والإملاق : الإفساد أيضا ، قاله شمر ، قال : و « أملق » يكون قاصرا ومتعديا ، أملق الرجل ، إذا افتقر ، فهذا قاصر ،

--> ( 1 ) آية ( 83 ) .